22/06/2026
✒ هيثم أبو طالب- أمل فرانكفورت
📌في كثير من البيوت العربية في ألمانيا، لا يتطلب الأمر أكثر من رسالة واحدة من المدرسة حتى يتغيّر مزاج البيت بالكامل. بريد إلكتروني أو ورقة مطبوعة كفيلان بإطلاق سلسلة من الأسئلة: هل هناك مشكلة؟ هل أخطأ الطفل؟ وكيف يمكن الرد بلغة ألمانية دقيقة دون سوء فهم؟
بالنسبة للدكتورة عائشة عمامي، الطبيبة التونسية السابقة التي غادرت الطب العام في ألمانيا واتجهت إلى الإرشاد الأسري والتدريب على التعلم، فإن هذا المشهد اليومي يكشف جانباً أعمق من علاقة العائلات المهاجرة بالمدرسة. ليس حاجز اللغة هو العقبة الأساسية، كما تقول، بل الطريقة التي يُفهم بها التواصل نفسه. فحتى لدى بعض الأسر التي تتقن الألمانية، يظل هناك قلق خفي: هل فُهمت الرسالة كما يجب؟ وهل أستطيع التعبير عن موقفي دون خطأ؟
📎من الطب إلى الإرشاد الأسري
لم يكن انتقال عمامي من الطب إلى العمل التربوي في مدينة نورنبيرغ خطوة مفاجئة. فبعد أكثر من اثني عشر عاماً في الممارسة الطبية بألمانيا، وبالتوازي مع تجربتها كأم لطفلين، بدأت تلاحظ أسئلة تتجاوز حدود العيادة. التجربة التي عاشتها في مدرسة طفلها كانت، كما تصف، نقطة تحول. إذ رأت بشكل مباشر حجم التوتر وسوء الفهم الذي تعيشه العديد من العائلات العربية مع النظام التعليمي. تلك الملاحظة دفعتها لاحقاً إلى دراسة الإرشاد الأسري والتعلم في أكاديمية سويسرية، لتجمع بين الخبرة المهنية والفهم النفسي للعلاقات داخل الأسرة والمدرسة، ولمساعدة الأسر العربية على تجاوز صعوبات التواصل مع المدارس الألمانية.
📎التوقعات المسبقة وحدود اللغة
تؤكد عمامي أن مشكلة العائلات المهاجرة والعربية بالأخص، لا تقتصر على حاجز اللغة، بل تبدأ قبل ذلك من حجم التوقعات التي تحملها كثير من العائلات تجاه مستقبل أبنائها. وتقول: “كعائلات عربية لدينا طموحات كبيرة، بل إن دراسات عدة تشير إلى أن الأسر المهاجرة غالباً ما تكون توقعاتها من أبنائها أعلى من توقعات الأسر المحلية، لأننا نرى في التعليم والنجاح المدرسي الطريق الأساسي إلى مستقبل أفضل واندماج أقوى وثقة أكبر بالنفس”. لكن هذه التطلعات، بحسب عمامي، تصطدم بواقع مختلف، في مقدّمته اللغة وطبيعة التواصل مع المدرسة.
فحتى الآباء والأمهات الذين يتقنون الألمانية يراودهم شعور دائم بالشك: هل أوصلت وجهة نظري كما يجب؟ وتوضح أن أسلوب التواصل في المدارس الألمانية، القائم على الرسائل المفصلة والاجتماعات الدورية، قد يزيد من هذا القلق. فالأب أو الأم يقرأان رسالة طويلة من المدرسة، ثم ينشغلان بأسئلة مثل: ماذا يُنتظر مني؟ وكيف ينبغي أن أرد؟ وترى عمامي أن هذا الخوف يدفع بعض العائلات إلى التعامل مع أي تواصل من المدرسة بوصفه مؤشراً على وجود مشكلة أو اتهام ضمني، بينما يفترض أن تقوم العلاقة بين الأسرة والمعلمين على الشراكة والبحث عن الحلول، لا على الدفاع المتبادل أو تبادل اللوم.
📎ضغط النجاح ومعيار العلامات
ومن أكثر الظواهر التي تقلق عمامي، تحميل الأطفال أحلام وآمال أسرهم، ولا سيما لدى بعض العائلات التي عاشت تجارب لجوء أو صعوبات في الاندماج. فبرأيها، يشعر الطفل أحياناً بأنه مطالب بإثبات نجاح العائلة كلها، ما يحول الدراسة إلى مصدر ضغط وخوف بدل أن تكون مساحة للتعلم والاكتشاف. وتؤكد أن الطفل “ليس مسؤولاً عن تعويض ما لم يحققه والداه، ولا عن إثبات نجاح أسرته أمام المجتمع”.
وترتبط هذه الضغوط، بحسب عمامي، بنظرة شائعة تعتبر العلامات الدراسية المعيار الوحيد للنجاح، وتتعامل مع الانتقال بعد الصف الرابع وكأنه يحدد مستقبل الطفل بشكل نهائي. لكنها تشير إلى أن النظام التعليمي الألماني أكثر مرونة، إذ يتيح مسارات متعددة وإمكانية الانتقال بينها لاحقاً، كما أنه يركز على تطور الطالب وقدرته على التفكير والتحليل، وليس على الدرجات وحدها. وترى أن مقارنة الأطفال ببعضهم أو اختزال نجاحهم في رقم على الشهادة يفرض عليهم عبئاً نفسياً كبيراً، بينما يكمن الدور الحقيقي للأهل في مرافقة أبنائهم وفهم طبيعة النظام التعليمي، لا في تحميلهم مخاوفهم وتوقعاتهم.
📎هل يجب الاختيار بين نموذجين تربويين؟
من أكثر الأسئلة التي تتكرر في جلسات الإرشاد، بحسب عمامي، هو كيف يمكن للعائلة العربية أن تحافظ على هويتها وقيمها، وفي الوقت نفسه تساعد أبناءها على الاندماج في المجتمع الألماني. لكنها ترى أن السؤال نفسه ينطلق من افتراض خاطئ، إذ لا تعتقد أن الأسرة مطالبة بالاختيار بين نموذجين متعارضين. وتوضح أن التربية في كثير من المجتمعات العربية تقوم على مركزية الأسرة، والروابط العائلية، واحترام الوالدين، والشعور بالانتماء إلى الجماعة، بينما يركز النموذج الألماني بدرجة أكبر على استقلالية الطفل، وحقه في التعبير عن رأيه، والمشاركة في اتخاذ القرار منذ سن مبكرة.
وترى عمامي أن التحدي الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين هذين النموذجين، بل في الاستفادة من نقاط القوة في كل منهما. فبإمكان الأسرة أن تحافظ على الدفء الأسري والقيم التي تؤمن بها، وفي الوقت نفسه تمنح أبناءها مساحة للحوار وإبداء الرأي وتحمل المسؤولية، ليكبروا وهم مرتبطون بجذورهم وقادرون على التفاعل بثقة مع البيئة التي يعيشون فيها.
📎ما الذي يبقى بعد سنوات؟
في نهاية حديثها، تختصر عمامي فلسفتها التربوية بجملة واحدة ترى أنها تلخص جوهر عملها مع العائلات: “بعد ثلاثين أو أربعين عاماً، لن يتذكر طفلك كم كانت علامته في الرياضيات، بل سيتذكر فقط مقدار الدفء والأمان الذي شعر به معك”. وتضيف أن كثيراً من الآباء ينشغلون بالنتائج المدرسية اليومية، بينما يغفلون عن الأثر التراكمي للعلاقة داخل البيت، والذي يرافق الطفل طوال حياته.
وتوضح أن الشعور بالأمان العاطفي داخل الأسرة ليس رفاهية تربوية، بل عامل أساسي في بناء شخصية الطفل، لأنه يشكل أساس الثقة بالنفس والقدرة على التعلم والتكيف مع الضغوط. وتؤكد أن الأطفال الذين يشعرون بأنهم مفهومون ومقبولون داخل أسرهم يكونون أكثر قدرة على مواجهة الفشل، وأقل خوفاً من التجربة والخطأ، وأكثر استعداداً للاستقلال لاحقاً.
16/06/2026
شكراً جزيلاً للأستاذ هيثم أبو طالب وفريق أمل فرانكفورت على الحوار الصحفي المتميز، وعلى إتاحة الفرصة للحديث عن موضوع يؤرّق الكثير من العائلات العربية في ألمانيا، وربما في المهجر كله.
نعم، كان من المؤلم بالنسبة لي أن أرى العجز والحيرة في وجوه العديد من الأمهات والآباء أثناء تعاملهم مع المدرسة. وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعتني إلى اتخاذ قرار مصيري في حياتي المهنية: أن يصبح الطب عملاً جانبياً (Nebenjob)، وأن أكرّس الجزء الأكبر من وقتي وجهدي لتعلّم التعلّم وتعليمه، ولإضاءة طرق جديدة يمكن للعائلات العربية أن تسير فيها مع أطفالها بثقة أكبر، وبقدر أقل من الضغط والإحباط والشعور بالذنب.
عملي كاستشارية أسرية و مدرّبة تعلّم، إلى جانب المحاضرات الورشات ،هو ما يوفّر لي مصدر رزقي، لكن الرسالة التي أحاول أن أقدّمها لكم عبر مساحات التواصل الاجتماعي هي الرسالة التي نذرت نفسي لها، وأعتز بها كل الاعتزاز. رحلة التعلّم لكي تكون ناجحة يجب أن تكون قبل كلّ شيء صحّيّة و آمنة.
يشرّفني انضمامكم إلى صفحتي وتفاعلكم مع محتواها، كما يسعدني أن ألتقي ببعضكم في الاستشارات الفردية أو الورشات والمحاضرات، وأن أساعدكم على تحويل استثماركم في أبنائكم إلى أثر مستدام يدوم لسنوات.
كل التقدير والمحبة لكم جميعا.
10/06/2026
أجمل اللحظات على الإطلاق؟
حين تنتهي آخر حصة كوتشينغ ونهنئ أنفسنا: حققنا الهدف الذي حددناه!
اليوم عشت واحدة من أجمل الانتصارات إلى الآن.
انتصار أم على انفعاليتها. على الغضب الذي طالما أمسك بدفة حياتها.
كنت أحس بألمها وعجزها وهي تنهال بالضرب على طفلها وتقول في كل مرة: "لقد أفقدني السيطرة."
كانت تبكي وهي تفتح الأدراج القديمة في طفولتها:
أنا التي لم أتعلم فهم انفعالاتي، لم أتعلم كبحها وتوجيهها.
كانت تشعر بالخجل والعجز.
وكنت أشعر بالاحترام.
هذه الأم لم تحاول إخفاء صعوبتها، ولم تبحث عن مبررات.
طرقت الباب. واستثمرت من مالها وشجاعتها وآلامها لتحوّل اليد التي اعتادت — إلى يد تعرف متى تربّت، ومتى تنقبض وتنسحب.
"علاقتي معه تحسنت من 4/10 إلى 8/10."
في بداية الكوتشينغ عند تحديد الأهداف، لم نتجرأ على تخيّل هذا الرقم.
قالت: لقد صار يثق بي أكثر. صار يصارحني حتى بأخطائه ونزواته، ونتحدث بعدها.
صارت عيناه تبرقان حين يتحدث معي.
لقد صار يثق بنفسه.
لماذا هي من أجمل الانتصارات؟
لأني أؤمن أن الدفاع عن الأطفال يدخل ضمن رسالتي.
لكن الوصول إليه لا يتحقق فقط بالقوانين الزاجرة ومعاقبة الأولياء وحرمان الأطفال من آبائهم.
يتحقق قبل كل شيء بتخفيف الضغط عن الأهل، وتمكينهم من آليات يتعلمون بها أخيرا فهم انفعالاتهم وتوجيهها.
حين يتعلم الأهل في لحظات العجز كيف يتصرفون —
سيخف العبء عن الجميع.
وسنحمي مجتمعاتنا بطريقة جذرية من العنف، وخاصة العنف المسلط ضد الأطفال.
Dr. Aicha
03/06/2026
أجمل ما في النجاح هو تذكر الألم، تذكر الصعوبات، لحظات الشك، الإحباط، والفشل.
مهدي لم يكن يوماً تلميذاً نجيباً بالمعنى التقليدي.. عندما كان في السادسة من عمره، تطلب الأمر أسابيع من البكاء المستمر ليقتنع أخيراً أن الذهاب إلى المدرسة أمر واقع لا مفر منه. كان كلما فتح الكتاب، تذكر حاجته إلى الذهاب إلى الحمام، أو أحس بالجوع وفقدان التركيز، أو انتابه مغصٌ حار الأطباء في تشخيصه! كان عندما يجلس ليذاكر، تخطر بباله أفكار لا علاقة لها بما طلبه المعلم؛ كأن يرسم أو يلون، أو يفكك الألعاب ويعيد ترتيبها.
من حسن حظه أن الله حباه بوالدين لم يريا في الضغط والترهيب خياراً مطروحاً. نعم، جفّ حلق أمه من التذكير والتوسل، كانت تتوق إلى علامات ممتازة مثل علامات أخته، لكنها لم تقارنه يوماً بها. ظلت تجرب هذه الطريقة وغيرها، فتنجح مرة وتخيب كثيراً.. فعندما يفتقد الطفل أو المراهق إلى الدافعية، يكون الكلام غالباً بلا معنى.
ثم جاءت الصدمة.. ورسب في البكالوريا!
كانت النتيجة منتظرة بالنسبة إليه بعض الشيء، كان يعلم أنه لم يذاكر بالشكل الكافي، لكنه كان متعوداً أن تسير الأشياء ويمر حتى بدون علامات متميزة.
في سن الثامنة عشرة، وجد مهدي نفسه فجأة يواجه واقعاً جديداً. أمام كرهه للمذاكرة والدراسة، لم يتبقَ أمامه إلا خياران: إما أن يواصل منهج التسويف والتمرد فيفشل مرة أخرى، أو يضغط على نفسه ويبذل جهداً بطريقة جدية ومسؤولة.
الأكيد أنكم خمنتم قراره.. صدمة الفشل كانت كافية لتحقق نضجاً لا يزال يقطف ثماره إلى اليوم. بذل الجهد، درس، ونجح في البكالوريا، ثم قرر أن يسلك المجال الذي طالما شُغف به.
في البداية، احتار والداه أمام الاختصاص الذي اختاره، لكن الأيام أثبتت أنهما لم يخطئا حين لم يقفا حجرة عثرة أمام شغفه. مهدي الذي ذهب إلى الجامعة كان "مهدي آخر".. بشغف آخر، بدافعية أخرى، وأحلام مختلفة! الكرسي والطاولة اللذان كان ينفر منهما، صارا مسكنه. ومن أول الامتحانات في الجامعة، وجد نفسه يزاحم على المراتب الأولى.
والبارحة، وهو يحضر نفسه لتقديم مشروع تخرجه، واجه صعوبة جديدة: قلق المحاضرات فلم يكن إلا الامتياز ليرضيه😅.. وقد تحصل عليه بجدارة!🎊🥳
اصبروا على أطفالكم، لا تضغطوا عليهم، ابحثوا عن شغفهم ونقاط قوتهم، آمنوا بأحلامهم، وأعطوهم المساحة التي يحتاجونها لتحقيقها.
تهانينا الحارة لمهدي ولعائلته الرائعة، وحظ موفق لكل التلاميذ والطلبة.. أيا كانت النتيجة، رحلة التعلم طويلة، والغد أجمل إن شاء الله. ❤️
Dr. Aicha
31/05/2026
العلامات، النقاط، دوامة الأعداد، وضغط الامتحانات...
أحيانًا تبدو كالمفرمة التي تبتلع حلم طلب العلم والمعرفة، وتحوله إلى تعطش جشع للمزيد من النقاط ولنجاحٍ مشوَّه. لكن هل الامتحانات ونظام الأعداد فعلًا بهذه الفظاعة؟ وهل آن الوقت لنستمع بجدية إلى نداء الكثير من خبراء وعلماء نفس التعلّم الذين يتحفظون على هذا النظام، وأحيانًا يرفضونه بشدة؟ ولماذا لا تزال المؤسسات التعليمية تتمسك به رغم الحجج القوية التي تبيّن الكثير من مساوئه؟
وماذا نفعل نحن كأهل؟ هل نرفضه ونتمرد عليه دون أن يكون لدينا بديل واضح؟ أم نستسلم له ونلهث مع أطفالنا وراء المزيد من النقاط؟ وكيف نساعد أبناءنا على دخول الامتحانات المصيرية والخروج منها بأقل الأضرار النفسية الممكنة؟
إجابتي على التعليق العميق هذا الأسبوع، تستوجب بعض التفصيل، فأستسمحكم عذرًا إن أطلت قليلًا.
لنلقِ أولًا نظرة على الزاوية التي تنظر منها المدرسة والمؤسسات التعليمية إلى نظام العلامات والأعداد: زاوية الحاجة الإدارية والتنظيمية.
لننطلق من حقيقة بسيطة: لا توجد حاليًا لغة عالمية موحدة للتصنيف والفرز أكثر انتشارًا من نظام العلامات. فكيف يمكن لجامعة كبرى أو مدرسة عليا أن تختار 100 طالب فقط من بين 20 ألف متقدم؟ من المستحيل عمليًا دراسة ملف نفسي وتربوي مفصل لكل طالب. لذلك توفر الأرقام، مثل المعدل العام، أداة فرز سريعة وحاسمة وقليلة التكلفة وعادلة ظاهريًا لتوزيع المقاعد المتاحة.
كما تُستخدم العلامات لمتابعة أداء المؤسسات التعليمية نفسها. فهي تسمح بإجراء مقارنات وتحليلات إحصائية تساعد على تقييم النتائج وتحسينها. ومن دون مؤشرات رقمية واضحة، تصبح عملية التقييم أكثر صعوبة وأكثر عرضة للتقديرات الشخصية.
ولا يمكننا كذلك تجاهل أن المدرسة لا تعمل بمعزل عن المجتمع والاقتصاد؛ فالعلامات والترتيب يمثلان، بدرجة ما، استجابة لمتطلبات سوق العمل وآليات الانتقاء المعتمدة فيه.
أخيرًا، تمثل الامتحانات بالنسبة إلى عدد كبير من التلاميذ محفزًا خارجيًا يدفعهم إلى الالتزام والعمل بجدية. فالرغبة في النجاح أو الخوف من الرسوب أو الطموح الشخصي تبقى عوامل مؤثرة في سلوك كثير من المتعلمين.
إذن، من الناحية التنظيمية، لا يبدو أن المؤسسات التعليمية وجدت حتى الآن بديلًا عمليًا قادرًا على أداء جميع هذه الوظائف بالكفاءة نفسها.
لكن الصورة تبدو مختلفة عندما ننظر إليها من زاوية علم نفس التعلّم.
فالكثير من المختصين يتحفظون على نظام العلامات التقليدي، وبعضهم يدعو إلى إعادة النظر فيه جذريًا.
أولًا: لأنه قد يحول الدافع الداخلي إلى دافع خارجي.
تشير أبحاث كثيرة في علم النفس إلى أن الأطفال يمتلكون فضولًا طبيعيًا ورغبة فطرية في الاكتشاف والتعلّم. لكن عندما تصبح العلامة هي مركز الاهتمام، قد يتحول الهدف تدريجيًا من متعة الفهم واكتشاف العالم إلى السعي وراء رقم أو تقدير معين.
وهكذا قد يصبح الرقم هو الغاية بدل أن يكون مجرد نتيجة، وقد يضعف مع الوقت الدافع الذاتي للتعلّم. كما قد يعتاد بعض التلاميذ على البحث عن الحد الأدنى المطلوب للحصول على النتيجة المرجوة بدل السعي إلى الفهم العميق.
الحجة الثانية تتعلق بما يسمى "عقلية النمو".
فبحسب بعض الدراسات، قد يؤدي التركيز المفرط على العلامات إلى ترسيخ فكرة أن القدرات ثابتة لا تتغير. فإذا حصل الطفل على نتيجة ضعيفة، قد يقتنع بأنه "غير موهوب" في تلك المادة. أما إذا اعتاد التفوق، فقد يصبح أكثر خوفًا من الفشل ومن فقدان صورته كمتعلم ناجح، فيتجنب أحيانًا التحديات التي قد تهدد هذه الصورة.
أما الحجة الثالثة فهي أن العلامة لا تقدم دائمًا صورة دقيقة عن إمكانات التلميذ الحقيقية.
فالعلامة غالبًا ما تختزل أداءً معقدًا في رقم واحد. فإذا حصل تلميذان على النتيجة نفسها في الرياضيات، فإن هذا الرقم لا يخبرنا أين تكمن نقاط القوة والضعف لدى كل منهما. قد يكون أحدهما قويًا في الهندسة وضعيفًا في الجبر، بينما يعاني الآخر من صعوبات مختلفة تمامًا.
لذلك يحتاج المتعلم إلى تغذية راجعة واضحة ومفصلة تساعده على فهم أخطائه ومعرفة ما ينبغي تحسينه، بدل الاكتفاء برقم مجرد.
أما الحجة الأخيرة، وهي من أكثر الحجج إقناعًا في نظري، فتتمثل في أن نظام العلامات قد يغذي المقارنة الاجتماعية المرهقة والقلق المزمن.
فبسببه تتحول قاعة الدرس أحيانًا من مساحة للتعاون والتطور المشترك إلى ساحة للمنافسة المستمرة. وعندما ترتبط قيمة الطفل بموقعه مقارنة بزملائه، يرتفع مستوى التوتر والخوف من الفشل، وقد يدخل في دوامة من القلق أو التسويف أو النفور من التعلّم نفسه.
والآن نأتي إلى الزاوية التي ينبغي أن ننظر منها نحن كأهل إلى الامتحانات.
بين مثالية بعض أطروحات علم نفس التعلّم ومتطلبات الواقع التعليمي، كيف نجعل رحلة التعلّم صحية وآمنة دون أن نضر بفرص أطفالنا في النجاح؟
هناك بعض القواعد البسيطة التي قد تساعد على تحقيق هذا التوازن.
أولًا: فصل المجهود عن النتيجة.
تحدث مع طفلك بلغة واضحة:
"أنت تملك السيطرة على الوقت الذي تخصصه للدراسة، وعلى إغلاق الهاتف، وعلى حل التمارين، وعلى اختيار طريقة التعلّم المناسبة لك. هذه أمور تقع ضمن دائرة تحكمك. أما صعوبة الأسئلة أو طبيعة التصحيح فليست تحت سيطرتك الكاملة."
عندما يعتاد الطفل التركيز على ما يستطيع التحكم فيه، يصبح أقل استنزافًا وأكثر قدرة على العمل بهدوء.
ومن المفارقات التي نلاحظها كثيرًا أن التلميذ الذي يجعل العلامة هدفه الوحيد قد يزداد قلقه فيتأثر أداؤه، بينما يكون المتعلم الذي يركز على الفهم وحل المشكلات أكثر هدوءًا واستقرارًا، فتأتي النتائج الجيدة غالبًا كنتيجة طبيعية لعمله.
ثانيًا: إعادة صياغة مفهوم الفشل داخل البيت.
الأطفال الذين ينظرون إلى الخطأ على أنه نهاية العالم يكونون أكثر عرضة للشلل الإدراكي والتسويف.
لذلك من المفيد تحويل الخطأ من أزمة إلى فرصة للتعلم.
عندما يعود طفلك بنتيجة غير مرضية، تجنب عبارات اللوم الشخصي، واستبدلها بأسئلة الشريك الداعم:
"دعنا نرى الورقة معًا... أين حدث اللبس؟ هل المشكلة في فهم الفكرة أم في التسرع أثناء الحل؟"
عندما يشعر الطفل أن الخطأ محطة للتطوير لا حكمًا على ذكائه، يصبح أكثر استعدادًا للمحاولة من جديد.
ثالثًا: علّم طفلك أن يدرس بذكاء.
تجنب حشو الدماغ لساعات طويلة. درّبه على استراتيجيات التعلّم الفعالة، وساعده على تنظيم وقته وطاقته، واترك له مساحة ليكتشف الطرق التي تناسبه.
واستمع كثيرًا، وانصح قليلًا.
قبل الامتحان، يحتاج الطفل غالبًا إلى من يصغي إليه أكثر مما يحتاج إلى مزيد من التعليمات.
إذا قال: "أنا خائف من نسيان المعلومات"، فقد يكون أفضل ما تقدمه له هو الاحتواء:
"أنا أفهمك تمامًا. هذا شعور طبيعي يمر به كثير من الطلاب، وأنا بجانبك مهما كانت النتيجة."
هذا النوع من الأمان العاطفي يساعد على خفض التوتر ويمنح الدماغ فرصة أفضل لاستثمار قدراته أثناء الامتحان.
والآن لنكن عمليين:
ماذا نفعل أمام الامتحانات المصيرية؟
الامتحان المصيري محطة مهمة، نعم، لكنه ليس نهاية المطاف، ولا يختزل قيمة الإنسان أو مستقبله كله.
تعامل معه كتحدٍّ يحتاج إلى استعداد وهدوء وذكاء. حاول جمع أكبر عدد ممكن من النقاط، وركز على المهمة التي بين يديك الآن، ثم دع الغد للغد.
غدًا أفضل بإذن الله.
تحقيق هذه المعادلة ليس سهلًا. لكن لنجعل الامتحان، كما تريده المؤسسات التعليمية، فرصة لتعلم الانضباط والاستقلالية والعمل بذكاء. ولنرافق أطفالنا، كما يدعو كثير من المختصين في علم نفس التعلّم، بحب وتفهم ودعم، بعيدًا عن الضغط والترهيب وجلد الذات.
ولنكن، أيًا كانت النتيجة والمعدلات، فريقًا واحدًا متماسكًا مع أطفالنا؛ ندعمهم، ونحتويهم، ونشجعهم إلى أن يجدوا طريقهم الخاص الذي يسعدون بالسير فيه ويبدعون فيه.